قطب الدين الراوندي
80
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
خلق الانسان عجولا ( 1 ) . ثم صارت انسانا ( 2 ) له الأذهان والفكر كما تقدم ، وهذا إشارة إلى أنه نظر وعرف اللَّه . ثم توارد الشبهات عليه فجعل يحلها ويدفعها باستدلال ، وطفق يجيل الأذهان ويتصرف بالفكر ، حتى حصل من المعارف ما استحق لأجلها التعظيم واستأهل لذلك زيادة الألطاف ، فعلمه اللَّه الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود خضوعا منهم وتكرمة له ، فسجدوا كلهم . لكن إبليس وقبيله أنفوا ( 3 ) من ذلك بسوء اختيارهم وقالوا : خلقنا من النار وخلق من التراب . وهذا قياس باطل ، لان الأمر بالعكس من ذلك ، فالتراب خير من النار ، لان كل ما يدخل النار ينقص وكل ما يدخل التراب يزيد . على أن الخيرية في العبد انما تكون بالأعمال الصالحة لا بأنه خلق من نار أو نور أو تراب . وأما وصف أمر اللَّه الملائكة بالسجود فإنه اما بخطاب من اللَّه لهم أو بوحي منه تعالى إلى من بعثه من رسله إليهم ، لان كلام الرسول كلام المرسل ، أو بأن اللَّه أظهر فعلا لهم دلهم به على أنه أمرهم بالسجود « فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ
--> ( 1 ) تفسير القمي 2 - 71 ، ونص الآية « خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ » سورة الأنبياء : 37 . ( 2 ) قال ابن ميثم في شرحه 1 - 170 : ويشبه أن يكون أصل الانسان أنس وهو الأنيس ، والألف والنون في أصل لحوقها له للتثنية ، وذلك لان الأنس أمر نسبى لا يتحقق إلا بين شيئين فصاعدا ، ولما كان كل واحد من الناس يأنس بصاحبه ثم كثر استعماله مثنى فأجريت على النون وجوه الاعراب . ( 3 ) في د : « أبوا » بدل « أنفوا » .